حيدر حب الله
726
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
رواية تحكي عن ضرب أمير المؤمنين عليه السّلام لرجل استمنى ، ويعلّق الشهيد الثاني على هذه الرواية - بعد تضعيفه سندها - بالقول : « حكم في واقعة مخصوصة بما رآه ، لا أن ذلك تعزيره [ أي المستمني ] مطلقا » « 1 » . وعلى المنوال نفسه ، نجد الأردبيلي ( 993 ه ) في مجمع الفائدة لا يأخذ برواية في باب الديات لكونها حكما في قضية « 2 » ، إلى أن نجد هذا التعبير حاضرا في الحقبة المتأخرة ، كما هو الحال عند السيد أحمد الخوانساري في بحث الديات « 3 » ، والسيد محسن الحكيم في باب الإجارة « 4 » ، والسيد الكلپايكاني في كتاب الحدود « 5 » . لكن مع ذلك كلّه ، لا نجد للنصوص التنظيرية أو تلك المستخدمة لجملة « حكم في واقعة » حضورا فاعلا في أدبيات الاجتهاد الشيعي ، فالحضور محدود جدا ، والأمثلة - فيما بحثنا - قليلة أيضا . وهذا ما يؤكّد أنه لم يكن هناك حسّ تاريخي في الاجتهاد الشيعي ، بل كان حضوره محدودا ، والحسّ التاريخي حسّ يسعى على الدوام لالتماس العناصر المحيطة بالنص أكثر - ربما - من اهتمامه بالنص نفسه ، إنه يعطي أركيولوجيا النص ومناخه أولوية عالية ، وهذا ما لم نشاهده حاضرا عند الشيعة إلا في نطاق محدود جدا ، يشهد لذلك أيضا عدم وجود دراسة خاصة بهذا الموضوع في علم الكلام ولا في أصول الفقه ، فالدراسات اللغوية الأصولية تحدّثت عن صيرورة اللغة وتحوّلاتها ، كما تحدّثت عن بعض العناصر التاريخية المحيطة بالنص ، لكنها كانت على الدوام تنزع ناحية السكونية ، من هنا شاهدنا نظرية ثبات اللغة أو ما كان يسمّى سابقا بأصالة عدم النقل « 6 » ، لقد أخذوا بأصول ومبادئ تدعم - عمليا - ظاهرة الثبات اللغوي والدلالي ، وإن أقرّوا نظريا بمبدإ التحوّل ، فهذا المبدأ لم يستطع التأثير في الميدان العملي ، لأن مثل قاعدة عدم النقل تعيق إنتاجه وفعاليته .
--> ( 1 ) - الشهيد الثاني ، الروضة البهية 9 : 332 - 333 . ( 2 ) - الأردبيلي ، مجمع الفائدة 14 : 254 . ( 3 ) - أحمد الخوانساري ، جامع المدارك 6 : 289 . ( 4 ) - محسن الحكيم ، مستمسك العروة الوثقى 12 : 198 . ( 5 ) - الكلپايكاني ، الدرّ المنضود 1 : 274 . ( 6 ) - تعني أصالة عدم النقل أنه لو شككنا في لفظ أنه تغير معناه من زمن إلى زمن فإن المبدأ العملي يحكم بالتعامل معه على أساس عدم وجود تغيّر ، حتى لو كان في الواقع ومن حيث لا نعلم قد تغير ، وربما يسمّون ذلك بالاستصحاب القهقرائي ؛ لأنك تجعل فهمك للكلمة أساسا متيقنا في عصرك ثم تجرّه إلى الوراء زمنيا ، وهو الزمن المفترض أنك تشك في معنى الكلمة فيه ، فتعمّم ما تفهمه لذاك الزمان .